فصل: 480 عبد الواحد بن إسماعيل بن محمد البوشنجي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: طبقات الشافعية الكبرى **


478 عبد الملك بن محمد بن إبراهيم أبو سعد بن أبي عثمان الخركوشي

وخركوش بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وضم الكاف ثم واو ساكنة ثم شين معجمة سكة بمدينة نيسابور

أبو سعد ا لنيسابوري

روى عن حامد بن محمد الرفاء ويحيى بن منصور القاضي وإسماعيل بن نجيد وأبي عمرو بن مطر وغيرهم

روى عن الحاكم وهو أكبر منه والحسن بن محمد الخلال وعبد العزيز الأزجي وأبو علي التنوخي وعلي بن محمد الحنائي وأبو علي الإهوازي والحافظ أبو بكر البيهقي وأبو الحسين محمد بن المهتدي بالله وأحمد بن علي بن خلف الشيرازي وآخرون

وكان فقيها زاهدا من أئمة الدين وأعلام المؤمنين ترتجى الرحمة بذكره

قال فيه الحاكم إنه الواعظ الزاهد ابن الزاهد وإنه تفقه في حداثة سنة وتزهد وجالس الزهاد والمجردين إلى أن جعله الله خلف الجماعة ممن تقدمه من العباد المجتهدين والزهاد القانعين

قال وتفقه على أبي الحسن الماسرجسي

قال وجاور بحرم الله ثم عاد إلى وطنه نيسابور وقد أنجز الله له وعده على لسان نبيه ‏(‏ إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل بذلك في السماء فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ‏)‏

فلزم منزله ومجلسه وبذل النفس والمال والجاه للمستورين من الغرباء والمنقطعين والفقراء حتى صار الفقراء في مجالسه كما حدثونا عن إبراهيم بن الحسين قال حدثنا عمرو بن عون قال حدثنا يحيى بن اليمان قال كان الفقراء في مجلس سفيان الثوري أمراء

فقد وفقه الله لعمارة المسجد والحياض والقناطر والدروب وكسوة الفقراء العراة من الغرباء والبلدية حتى بنى دارا للمرضى بعد أن خربت الدور القديمة بنيسابور ووكل جماعة من أصحابه لتمريضهم وحمل ما بهم إلى الأطباء وشراء الأدوية

479 عبد الواحد بن أحمد بن الحسين أبو سعد الدسكري

تفقه على أبي إسحاق الشيرازي

قال ابن السمعاني فقيه صالح دين ورع برع في الفقه وكانت له معرفة بالأدب وارتقت درجته وارتفعت

روى عن أبي علي الحسن بن علي بن المذهب وغيره

قلت وقد حج وأنفق مالا صالحا على المجاورين الفقراء بالحرمين وحكي أن الحاج عطشوا في تلك السنة فسألوه أن يستسقي لهم فتقدم وقال اللهم إنك تعلم أن هذا بدن لم يعصك قط في لذة ثم استسقى فسقي الناس

مات في سنة ست وثمانين وأربعمائة

480 عبد الواحد بن إسماعيل بن محمد البوشنجي

وهو والد الإمام إسماعيل البوشنجي

وعليه تفقه أبو سعد إسماعيل بن أبي صالح المؤذن

ذكره عبد الغافر وقال فيه الفقيه الفاضل الورع الدين من وجوه الفقهاء والمدرسين والمناظرين والعاملين بعلمهم الجارين على منهاج السلف الصالحين في لزوم الفضل والاشتغال بالعلم ولزوم الفقر والقناعة

تفقه على أبي إبراهيم الفقيه الضرير

ثم قال توفي كهلا في سابع عشرى المحرم سنة ثمانين وأربعمائة

481 عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن الأستاذ أبو سعيد ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري الملقب ركن الإسلام

وسعيد في كنيته بالياء أما أبو سعد بإسكان العين فذاك أخوه عبد الله

كلاهما ولد الأستاذ أبي القاسم وشبل ذلك الأسد الذي تجم دونه الضراغم وقرة عين تلك الذات الطاهرة وأحد ولدين بل أحد ستة نجوم زاهرة

ولد عبد الواحد سنة ثماني عشرة وأربعمائة قبل إمام الحرمين بسنة ونشأ في العلم والعبادة وأخذ حظا وافرا من الأدب وكان مداوما على تلاوة القرآن

سمع الحديث من والده وأبي الحسن علي بن محمد الطرازي وأبي سعد عبد الرحمن ابن حمدان النصروي وأبي حسان محمد بن أحمد بن حعفر المزكي وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن باكوية الشيرازي وأبي عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النيلي وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن يحيى المزكي وأبي نصر منصور بن رامش والقاضي أبي الطيب الطبري والقاضي أبي الحسن الماوردي وأبي بكر ابن بشران وأبي يعلى بن الفراء وخلق بنيسابور والري وبغداد وهمذان

روى عنه ولده هبة الرحمن وأبو طاهر السنجي وغيرهما

وكان سماعه من الطرازي حضورا في الرابعة أو نحوها

ذكره عبد الغافر فقال ناصر السنة أوحد عصره فضلا ونفسا وحالا وبقية مشايخ العصر في الحقيقة والشريعة نشأ صبيا في عبادة الله تعالى وفي التعلم خطب المسلمين قريبا من خمس عشرة سنة ينشىء الخطب كل جمعة خطبة جديدة جامعة للفوائد معدودة من الفرائد

انتهى

قلت أظنه ولي خطابة الجامع المنيعي بنيسابور بعد موت إمام الحرمين فاستمر بها إلى أن مات

وقال الإمام أبو بكر بن السمعاني والد الحافظ أبي سع فيه شيخ نيسابور علما وزهدا وورعا وصيانة لا بل شيخ خراسان وهو فاضل ملء ثوبه وورع ملء قلبه لم أر في مشايخي أورع منه وأشد اجتهادا

انتهى

وقال الحافظ أبو سعد كان ذا عناية بتقييد أنفاس والده وفوائده وضبط حركاته وسكناته وما جرى له في أحواله معنيا بحكايتها في مجالسه ومحاوراته حافظا للقرآن العظيم تلاء له يتلوه راكبا وماشيا وقاعدا صار في آخر عمره سيد عشيرته وحج مثنيا أي مرة ثانية بعد الثمانين وأربعمائة

انتهى

قلت وعاد إلى وطنه نيسابور وبقي بها منفردا عن أقرانه قائما بوظائف العبادة لا يفتر إلى أن توفي سنة أربع وتسعين وأربعمائة ودفن في مدرستهم عن أبيه وإخوته وجده لأمه أبي علي الدقاق

ومن الفوائد والشعر عنه

قال عبد الغافر عقد لنفسه مجلس الإملاء عشيات الجمع في المدرسة النظامية بنيسابور فكان يخرج مجالس الحديث ويتكلم على المتون فيستخرج المشكلات ويستنبط المعاني والإشارات ويزينها بالحكايات والأبيات وكان عقد مجلسه زمان الأستاذ زين الإسلام يعني أباه مقصورا على جواب السائل وروايات الأخبار وحكايات السلف والمشايخ من غير خوض في الطريقة ودقائقها والغوص في حقائقها احتراما لأيام الإمام

انتهى

ومن شعره يقول

خليلي كفا عن عتابي فإنني ** خلعت عذاري في الهوى وعناني

تصاممت عن كل الملام لأنني ** شغلت بما قد نابني وعناني

ومنه

لعمري لئن حل المشيب بمفرقي ** ورثت قوى جسمي ورق عظامي

فإن عرام الشوق باق بحاله ** إلى الحشر منه لا يكون فطامي

ومنه

يا شاكيا فرقة شهر الصيام ** تفيض عيناه كفيض الغمام

ذلك من أوصاف من لم يزل ** حضوره الباب بنعت الدوام

دم حاضرا بالباب مستيقظا ** وكل شهر لك شهر الصيام

482 عبد الواحد بن محمد بن عثمان بن إبراهيم القاضي أبو القاسم بن أبي عمر البجلي

يقال إنه من نسل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله

سمع أحمد بن سلمان النجاد وجعفر الخلدي ومحمد بن الحسن بن زياد النقاش وغيرهم

قال الخطيب كتبت عنه وكان ثقة تقلد القضاء من قبل أبي علي التنوخي على دقوقا وخانيجار وذكر أنه تقلد أيضا قضاء جازر ثم عكبرى قال وسمعته أملى علي نسبه فقال أبي محمد بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن خالد بن إسحاق بن الزبرقان بن خالد بن عبد الملك بن جرير بن عبد الله البجلي

قال وتوفي يوم الاثنين الرابع عشر من رجب سنة عشر وأربعمائة ودفن من الغد في مقبرة باب حرب

483 عبد الوهاب بن علي بن داوريد أبو حنيفة الفارسي الملحمي

الفقيه الفرضي

قال الخطيب حدثنا عن المعافى الجريري وكان عارفا بالقراءات والفرائض حافظا لظاهر فقه الشافعي

مات في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة

484 عبد الوهاب بن محمد بن عبد الواحد بن محمد أبو الفرج الفامي الشيرازي

من أهل شيراز

ذكره ولد ولده القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب الشيرازي في كتابه تاريخ الفقهاء وقال إنه توفي في سنة أربع عشرة وأربعمائة

قال وفيها ولدت

485 عبد الوهاب بن محمد بن عمر بن محمد بن رامين البغدادي الشيخ أبو أحمد

تلميذ الداركي وشيخ الشيخ أبي إسحاق الشيرازي

ذكره في الطبقات وقال قرأ علي الداركي وعلى أبي الحسن بن خيران وسكن البصرة ودرس بها وكان فقيها أصوليا له مصنفات حسنة في الأصول

انتهى

وقال ابن النجار إنه سمع من الدارقطني وحدث بالبصرة وتوفي في شهر رمضان سنة ثلاثين وأربعمائة

486 عبد الوهاب بن منصور بن أحمد أبو الحسن المعروف بابن المشتري الأهوازي

كان إليه قضاء الأهواز وكان له منزلة عند السلاطين

مات يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة

ترجمه ابن باطيش

487 عبيد الله بن أحمد بن عبد الأعلى بن محمد بن مروان أبو القاسم الرقي المعروف بابن الحراني

قال الخطيب سألته عن مولده فقال سنة أربع وستين وثلاثمائة وتفقه ببغداد على الشيخ أبي حامد الإسفرايني وسمع بالموصل من نصر بن أحمد بن الخليل المرجي وأبي نصر الملاحمي وابن حبابة والمخلص وأبي حفص الكتاني وغيرهم

روى عنه الخطيب ووثقه وعبد العزيز الكتاني وغيرهما

قال الخطيب مات بالرحبة وكان قد سكنها إلى أن توفي في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة

488 عبيد الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج الأزهري أبو القاسم بن أبي الفتح وهو الأزهري

الذي يكثر الخطيب الرواية عنه ويعرف أيضا بابن السوادي

ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وحدث عن أبي بكر القطيعي وابن ماسي والعسكري وابن المظفر وخلق كثير

قال الخطيب وكان أحد المعنيين بالحديث والجامعين له مع صدق واستقامة ودوام درس القرآن سمعنا منه المصنفات الكبار

توفي في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وقد بلغ ثمانين سنة بل جاوزها بعشرة أيام

489 عبيد الله بن سلامة بن عبيد الله بن مخلد

أبو محمد الكرخي المعروف بابن الرطبي أخو أحمد الذي قدمنا ذكره

كان من أعيان الفقهاء

تفقه على أبي إسحاق الشيرازي وولى قضاء شهراباذ والبندنيجين

توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة

490 عبيد الله بن عمر بن علي بن محمد بن إسماعيل المقرىء المعروف بابن البقال

بالباء الموحدة من أهل بغداد

كان فيها مقرئا

سمع أبا بكر النجاد وأبا علي الصواف وأبا بكر الشافعي وغيرهم

روى عنه البيهقي والثقفي وأبو بكر الخطيب وقال سمعنا منه بانتقاء ابن أبي الفوارس وكان فقيها ثقة

مات سنة خمس عشرة وأربعمائة في صفر ببغدد

491 عبيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن مهران الإمام أبو أحمد بن أبي مسلم الفرضي المقرىء البغدادي

أحد شيوخ العراق السائر ذكرهم

سمع المحاملي ويوسف بن البهلول الأزرق وحضر مجلس أبي بكر الأنباري وقرأ القرآن على أحمد بن عثمان بن بويان وهو آخر من قرأ في الدنيا عليه

وحدث عنه أبو محمد الخلال وعمر بن عبد الله البقال وأحمد بن علي بن أبي عثمان الدقاق وعلي بن أحمد بن البسري وعلي بن محمد بن محمد بن الأخضر الأنباري وآخرون

وقرأ عليه القرآن نصر بن عبد العزيز الفارسي نزيل مصر وأبو علي الحسن ابن القاسم غلام الهراس والحسن بن علي العطار وغيرهم

قال الخطيب كان ثقة ورعا دينا

قال وحدثنا منصور بن عمر الفقيه قال لم أر في الشيوخ من يعلم لله غير أبي أحمد الفرضي قال وكان قد اجتمعت فيه أدوات الرياسة من علم وقرآن وإسناد وحالة متسعة من الدنيا وكان مع ذلك أورع الخلق وكان يقرأ الحديث علينا بنفسه وكنت أطيل القعود معه وهو على حالة واحدة لا يتحرك ولا يعبث بشيء وكنت أطيل القعود معه وهو على حالة واحدة لا يتحرك ولا يعبث بشيء ولم أر في الشيوخ مثله

وقال العتيقي ما رأينا في معناه مثله

وقال عبيد الله الأزهري فيه إمام الأئمة

وقال عيسى بن أحمد الهمذاني كان أبو أحمد إذا جاء إلى الشيخ أبي حامد الإسفرايني قام من مجلسه ومشى إلى باب مسجده حافيا مستقبلا له

قلت توفي في سنة ست وأربعمائة

492 عزيزي بن عبد الملك بن منصور أبو المعالي الواعظ ويلقب بشيذلة بفتح الشين المعجمة وسكون آخر الحروف وفتح الذال واللام بعدها

كان من أهل جيلان

سمع أبا عثمان الصابوني وأبا حاتم محمود بن الحسن القزويني وأبا طالب ابن غيلان والقاضي أبا الطيب وأبا عبد الله محمد بن علي الصوري وإبراهيم ابن عمر البرمكي وخلقا سواهم

روى عنه أبو الحسن بن الخل الفقيه وشهدة بنت الإبري وأبو علي بن سكرة وقال كان زاهدا متقللا من الدنيا وكان شيخ الوعاظ ومعلمهم الوعظ بتصانيفه وتدريسه

قلت كان فقيها فاضلا فصيحا أصوليا متكلما صوفيا

ومن نوادره أنه كان جيلانيا أشعري العقيدة وله تصانيف كثيرة وولي قضاء بغداد نيابة عن القاضي أي قاضي القضاة أبي بكر الشامي

توفي في سابع عشر صفر سنة أربع وتسعين وأربعمائة ببغداد

ومن الرواية والفوائد عنه

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن محمد بن الحسن بن نباتة بقراءتي عليهما قالا أخبرنا علي بن أحمد العلوي أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي أخبرنا الإمام أبو الحسن محمد بن المبارك بن الخل أخبرنا الإمام القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك شيذلة قراءة عليه وأنا أسمع أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي الفقيه أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي البزاز قراءة عليه حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم البصري حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام يعني الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ‏(‏ لا يتقدمن أحدكم رمضان بيوم ولا يومين إلا أن يكون صوما كان يصومه رجل فليصم ذلك اليوم ‏)‏

أخرجه البخاري ومسلم

أخبرتنا أم عبد الله زينب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي قراءة عليها وأنا أسمع قالت أنبأنا الشيوخ الأربعة ابن الخير وابن السيدي وابن العليق وابن المني إجازة قالوا أنبأتنا شهدة بنت أحمد ابن الفرج الإبري سماعا قالت سمعت القاضي الإمام عزيزي بن عبد الملك من لفظه في سنة تسعين وأربعمائة يقول اللهم يا واسع المغفرة ويا باسط اليدين بالرحمة افعل بي ما أنت أهله إلهي أذنبت في بعض الأوقات وآمنت بك في كل الأوقات فيكف يغلب بعض عمري مذنبا جميع عمري مؤمنا إلهي لو سألتني حسناتي لجعلتها لك مع شدة حاجتي إليها وأنا عبد فكيف لا أرجو أن تهب لي سيئاتي مع غناك عنها وأنت رب فيامن أعطانا خير ما في خزائنه وهو الإيمان به قبل السؤال لا تمنعنا أوسع ما في خزائنك وهو العفو مع السؤال إلهي حجتي حاجتي وعدتي فاقتي فارحمني إلهي كيف أمتنع بالذنب من الدعاء ولا أراك تمنع مع الذنب من العطاء فإن غفرت فخير راحم أنت وإن عذبت فخير ظالم أنت

إلهي أسألك تذللا فأعطني تفضلا

493 علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم أبو الحسن البصري الأشعري النعيمي

بضم النون

نزيل بغداد

حدث عن أحمد بن محمد بن العباس الأسفاطي وأحمد بن عبيد الله النهرديري ومحمد بن عدي بن زحر وعلي بن عمر الحربي

قال الخطيب كتبت عنه وكان حافظا عارفا متكلما شاعرا وقد حدثنا عنه أبو بكر البرقاني بحديث

وسمعت الأزهري يقول وضع النعيمي على ابن المظفر حديثا ثم بينه أصحاب الحديث له فخرج من بغداد لهذا السبب فغاب حتى مات ابن المظفر ومات من عرف قصته في الحديث ووضعه ثم عاد إلى بغداد

سمعت أبا عبد الله الصوري يقول لم أر ببغداد أكمل من النعيمي كان قد جمع معرفة الحديث والكلام والأدب

قال وكان البرقاني يقول هو كامل في كل شيء لولا بأو فيه

قال النووي البأو بباء موحدة بعدها همزة هو العجب

وقال أبو إسحاق الشيرازي درس بالأهواز وكان فقيها عالما بالحديث متكلما متأدبا

مات في مستهل ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة

قال شيخنا الذهبي وكان في عشر الثمانين وكان يحدث من حفظه قال وتلك الهفوة يعني التي حكاها الخطيب عن الأزهري كانت في شبيبته وتاب

ومن شعره السائر

إذا أظمأتك أكف اللئام ** كفتك القناعة شبعا وريا

فكن رجلا رجله في الثرى ** وهامة همته في الثريا

أبيا لنائل ذي ثروة ** تراه بما في يديه أبيا

فإن إراقة ماء الحياة ** دون إراقة ماء المحيا

494 علي بن أحمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسين الطبري الروياني

سكن بخارى

قال ابن السمعاني كان إماما فاضلا عارفا بمذهب الشافعي

تفقه على الإمام أبي القاسم الفوراني وأبي سهل أحمد بن علي الأبيوردي وغيرهما

روى لنا عنه أبو عمرو عثمان بن علي البيكندي

ومات ببخارى في رمضان سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة

495 علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الحاكم أبو الحسن الإستراباذي

قال الإمام أبو حفص عمر النسفي الحنفي كان من كبار أئمة الحديث بسمرقند قال ابن الصلاح يعني أئمة الشافعية على قاعدة عرف أهل تلك البلاد إذا أطلق أهل الحديث لا يراد غير الشافعية

قال النسفي وكان الإستراباذي مجتهدا بمرو وكان يكتب عامة النهار وهو يقرأ القرآن ظاهرا وكان لا يمنعه أحد الأمرين عن الآخر وكان إذا دخل عليه أحد فأكثر قطع كلامه وجعل يقرأ القرآن وكان سأل الله تعالى في الكعبة كمال القدرة على قراءة القرآن وإتيان النسوان فاستجيب له الدعوتان

قال النسفي وحدث سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وكان له الدرس والفتوى ومجلس النظر والتوسط ومع ذلك كان يختم كل يوم ختمة

وقال الإمام ناصر العمري ما رأيت مثل الحاكم أبي الحسن في فضله وزهده

496 علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري الإمام الكبير

أبو الحسن

من أولاد التجار أصله من ساوة وله أخ اسمه عبد الرحمن قد تفقه وحدث أيضا

كان الأستاذ أبو الحسن واحد عصره في التفسير

لازم أبا إسحاق الثعلبي المفسر

وأخذ العربية عن أبي الحسن القهندزي الضرير واللغة عن أبي الفضل أحمد بن محمد بن يوسف العروضي صاحب أبي منصور الأزهري ودأب في العلوم وسمع أبا طاهر بن محمش الزيادي وأبا بكر أحمد بن الحسن الحيري وأنا إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الواعظ وعبد الرحمن بن حمدان النصروي وأحمد بن إبراهيم النجار وخلقا

روى عنه أحمد بن عمر الأرغياني وعبد الجبار بن محمد الخواري وطائفة من العلماء

صنف التصانيف الثلاثة في التفسير البسيط والوسيط والوجيز

وصنف أيضا أسباب النزول

والتحبير في شرح الأسماء الحسنى

وشرح ديوان المتنبي

وكتاب الدعوات

وكتاب المغازي

وكتاب الإعراب في علم الإعراب

وكتاب تفسير النبي

وكتاب نفي التحريف عن القرآن الشريف

وله شعر مليح

قال أبو سعد بن السمعاني في كتاب التذكرة كان الواحدي حقيقا بكل احترام وإعظام لكن كان فيه بسط اللسان في الأئمة المتقدمين حتى سمعت أبا بكر أحمد بن محمد بن بشار بنيسابور مذاكرة يقول كان علي بن أحمد الواحدي يقول صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتاب حقائق التفسير ولو قال إن ذلك تفسير للقرآن لكفر به

توفي بنيسابور في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة

قال الواحدي في الوسيط في تفسير سورة القتال عند الكلام على قوله تعالى ‏{‏وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ‏}‏ أخبرني أبو الحسن محمد بن أحمد بن الفضل بن يحيى عن محمد بن عبيد الله الكاتب قال قدمت مكة فلما وصلت إلى طيزناباذ ذكرت بيت أبي نواس

بطيزناباذ كرم ما مررت به ** إلا تعجبت ممن يشرب الماء

فهتف بي هاتف أسمع صوته ولا أراه

وفي الجحيم حميم لا تجرعه ** حلق فأبقى له في البطن أمعاء

وقال في تفسير ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ‏}‏ بسنده لابن العتبي قال كنت ذات ليلة في البادية بحالة من الغم فألقي في روعي بيت من الشعر فقلت

أرى الموت لمن أصبح ** مغموما له أروح

فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف في الهواء

ألا يا أيها المرء الذي ** الهم به برح

وقد أنشد بيتا لم ** يزل في فكره يسبح

إذا اشتد بك العسر ** ففكر في ألم نشرح

فعسر بين يسرين ** إذا أبصرته فافرح

497 علي بن أحمد بن محمد الدبيلي

صاحب كتاب أدب القضاء رأيت على نسخة من كتابه تكنيته بأبي إسحاق وعلى أخرى بأبي الحسن وقد انبهم علي أمر هذا الشيخ والذي على الألسنة أنه الزبيلي بفتح الزاي ثم باء موحدة مكسورة ورأيت من يشك في ذلك ويقول لعله الدبيلي بفتح الدال بعدها باء موحدة مكسورة ثم آخر الحروف ياء ساكنة

ويدل لذلك أني رأيت على بعض نسخ كتابه أنه سبط المقري ولهم أبو عبد الله الدبيلي بالدال مقرىء الشام وأحمد بن محمد الرازي كلاهما في حدود الثلاثمائة ولعله سبط الأول

وأرى أن هذا الشيخ في هذه المائة لأني وجدته يروي في أدب القضاء عن بعض أصحاب الأصم فروى الكثير من مسند الشافعي عن أبي الحسن عن ابن هارون بن بندار الجويني عن أبي العباس الأصم

وروى أيضا عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى الوتار الدبيلي وآخرين

وهذا الكتاب هو الذي حكى عنه ابن الرفعة أن الموكل يقف مع وكيله في مجلس القضاء وقد رأيته فيه

وعبارته وإن كان أحد الخصمين وكل وكيلا يتكلم عنه وحضر مجلس القاضي فيجب أن يكون الوكيل والموكل والخصم يجلسون بين يديه ولا يجوز أن يجلس الموكل بجنب القاضي ويقول وكيلي جالس مع خصمي

ثم ساق بإسناده إلى الشعبي أن عمر بن الخطاب تحاكم وهو على خلافته هو وأبي بن كعب فذكر ما ليس صريحا فيما رامه غير أن الحكم الذي ذكره هو الوجه ولا بد أن يكون مبنيا على وجه التسوية وهو فقه حسن لا يعرف في المذهب خلافه وقد وافق عليه الوالد وترجمه بأن الموكل هو المحكوم له أو عليه وهو الذي يحلف ويستوفى منه الحق

قلت وقريب من ذلك أن يكون أحد الخصمين من سفلة الناس الذين عادة مثلهم الوقوف بين يدي القاضي دون ا لجلوس وجرت عادة الحكام في هذا إذا تحاكم مع رئيس أن يجلسوه معه وهذه يحتمل بأن يقال هذا حسن لأن الشرع قد سوى بينهما فليستويا في مجلس التحاكم ولا يضر معرفة الناس بأنه لولا المحاكمة لما جالس بينهما ويحتمل أن يقال بل ينبغي أن يتعين إيقاف الرئيس معه لأن إجلاس السافل مع الرئيس اعتناء بالرئيس في الحقيقة إلا أن يقال إن أل الوقوف بدعة فيفرض في رئيس بمجلس بالبعد من الحاكم ورئيس بمجلس الرياسة ويصنع مثل هذا الصنع وأنا أجد نفسي تنفر حين إجلاس المرءوس وتجنح إلى إيقاف الرئيس أو إخلاء مجلس المرءوس فلينظر هذا فإني لم أجد فيه شفاء للغليل من منقول ولا معقول

وقال الدبيلي إذا حضرت امرأة إلى القاضي ووليها غائب مسافة القصر فأذنت في تزويجها من رجل بعينه أجابها ولم يسأل عن كونه كفؤا لأن الحق لها وقد رضيت فإذا حضر وليها ولم يكن الزوج دخل بها فله الفسخ

وجزم بالوجه المشهور الذاهب إلى أن القاضي إذا فسق ثم تاب رجع إلى ولايته من غير تجديد ولاية وأفاد أن ذلك مقيد بما إذا لم يول غيره لتضمن ولاية غيره عزلة وهذا حسن فلا يتجه أن يكون موضع الخلاف إلا إذا لم يول غيره وهو قضية كلامهم وإن لم يصرحوا به تصريحا

قال الدبيلي وإن كان فسقه قد يعلمه الناس نفذت أقضيته وصحت مع مشقة غير أنه آثم في نفسه

وحكى وجها فيمن عمل من الثريد خمرا وأكله أنه لا يجب عليه الحد والمجزوم به في الرافعي وغيره الوجوب

وقال إن الخلاف في أن عمد الصبي والمجنون عمد أو خطأ إنما هو في الجنايات التي تلزم العاقلة ومن ثم إذا أتلفا شيئا كان الغرم عليهما ولا يخرج على الخلاف

قلت الخلاف في أن عمدهما عمد خطأ لا يختص بالجنايات التي تلزم العاقلة لأنهم أجروه فيما لو تطيب الصبي أو المجنون في الإحرام أو لبس أو جامع وكذا لو حلق أو قلم أو قتل صيدا عامدا وقلنا يفترق حكم العمد والسهو فيها وكل ذلك مما لا مدخل لعاقلة فيه فالخلاف في أن عمدهما عمد يعم كل ما يفترق الحال فيه بين العمد والخطأ ومن ثم لا مما ذكره الدبيلي وجب في ما لهما ضمان المتلفات

أسلم في رطب حالا في وقت لا يوجد فيه بطل وقيل يصح وللمسلم الفسخ إن شاء أو يصبر وكلاهما كالقولين فيما لو انقطع المسلم فيه

أسلم في ثوب طوله عشرة أذرع فجاء به أحد عشر وجب قبوله بخلاف ما لو كان خشبة لإمكان قطع الثوب بلا مشقة وقبوله الزائد لا يضره

أوصى له بسالم وله عبيد اسم كل واحد منهم سالم ومات قيل تبطل الوصية للجهل وقيل يعين الوارث

ولو أوصى بعتق سالم والمسألة بحالها فالقرعة

وحكى في تقويم المتلفات وجها أنه لا يقبل فيه شاهد وامرأتان ولا شاهد ويمين

واستدل على أن الإجماع حجة بقوله تعالى ‏{‏لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‏}

498 علي بن أحمد السهيلي أبو الحسن الإسفرايني

أحد الأئمة وقفت له على كتابين أحدهما كتاب أدب الجدل وفيه غرائب من أصول الفقه وغيره والآخر في الرد على المعتزلة وبيان عجزهم وأحسب أنه في حدود الأربعمائة إن لم يكن قبلها بيسير فبعدها بيسير والله تعالى أعلم

499 علي بن أحمد الفسوي القاضي

أبو الحسن شارح المفتاح

وفيما رأيته بخط ابن الصلاح في المجموع الذي انتقيت منه مما نقله من هذا الكتاب قال ابن سريج الشريعة تقتضي أنه ليس في باطن الإنسان نجاسة

قلت ومسألة الخيط وقول الأصحاب فيه إذا كان متصلا بالنجاسة إلى آخر ما ذكروه ينازع في هذا

قال الدليل على قتل تارك الصلاة قوله تعالى ‏{‏فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ‏}‏ الآية فلا يجوز تخليتهم إلا بالشرط والله تعالى أعلم

500 علي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر أبو القاسم بن المسلمة

وزير القائم بأمر الله أمير المؤمنين لقبه القائم رئيس الرؤساء شرف الوزراء جمال الورى

وقد حكى عنه الشيخ أبو إسحاق حكاية ولقبه بهذا اللقب وتلك منقبة

ولد في شعبان سنة سبع وتسعين وثلاثمائة

سمع إسماعيل بن الحسن بن هشام الصرصري وأبا أحمد الفرضي وغيرهما

وروى عنه الخطيب وكان خصيصا به وقال كتبت عنه وكان ثقة قد اجتمع فيه من الآلات ما لم يجتمع في أحد قبله مع سداد مذهب وحسن اعتقاد ووفور عقل وأصالة رأي

قال وسمعته يقول رأيت في المنام وأنا حدث كأني أعطيت شبه النبقة الكبيرة وقد ملأت كفي وألقي في روعي أنها من الجنة فعضضت منها عضة ونويت بذلك حفظ القرآن وعضضت أخرى ونويت درس الفقه وعضضت أخرى ونويت درس الفرائض وعضضت أخرى ونويت درس النحو وعضضت أخرى ونويت درس العروض فما من علم من هذه العلوم إلا وقد رزقني الله منه نصيبا

قال الخطيب قتل الوزير ابن المسلمة في يوم الاثنين الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة خمسين وأربعمائة قتله أبو الحارث البساسيري التركي وصلبه ثم قتل البساسيري وطيب برأسه ببغداد في يوم الخامس عشر من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين

شرح حال مقتل هذا الوزير

كان هذا الوزير قد ارتفعت درجته وتمكن من قلب الخليفة وكان السلطان في ذلك الوقت الملك الرحيم ابن بويه ففي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وهي ابتداء الدولة السلجوقية سقى الله عهدها ضعف أمر الملك الرحيم لاستيلاء أبي الحارث أرسلان التركي المعروف بالبساسيري

والبساسيري بفتح الباء الموحدة وألف بين سينين مهملتين أولاهما مفتوحة وأخراهما مكسورة بعدها آخر الحروف ساكنة وفي آخرها الراء نسبة إلى قرية بفارس يقال لها بسا وبالعربية فسا والنسبة إليهما بالعربية فسوي ولكن أهل فارس يقولون البساسيري

وكان هذا البساسيري يتحكم على القاسم بأمر الله واستفحل أمره ولم يبق للملك الرحيم معه إلا مجرد الاسم ثم عن له الخروج على الخليفة بأسباب أكدها مكاتبات المستنصر العبيدي له من مصر فبلغ ذلك القائم فكاتب السلطان طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق يستنجد به على البساسيري ويعده بالسلطنة ويحضه على القدوم وكان طغرلبك بالري وقد استولى على الممالك الخراسانية وغيرها وكان البساسيري يومئذ بواسط ومعه أصحابه ففارقه طائفة منهم ورجعوا إلى بغداد فوثبوا على دار البساسيري فنهبوها وأحرقوها وذلك برأي رئيس الرؤساء وسعيه وكان رئيس الرؤساء هو القائم عند القائم في إبعاد البساسيري وهو الذي أعلمه بأنه يكاتب المصريين ويكاتبونه فقدم السلطان طغرلبك في رمضان بجيوشه فذهب البساسيري من العراق وقصد الشام ووصل إلى الرحبة وكاتب المستنصر العبيدي الشيعي الرافضي صاحب مصر واستولى على الرحبة وخطب للمستنصر بها فأمده المستنصر بالأموال وأما بغداد فخطب بها للسلطان طغرلبك بعد القائم ثم ذكر بعده الملك الرحيم وذلك بشفاعة القائم فيه إلى طغرلبك ثم إن السلطان قبض على الملك الرحيم بعد أيام وقطعت خطبته في سلخ رمضان وانقرضت دولة بني بويه وكانت مدتها مائة وسبعا وعشرين سنة وقامت دولة بني سلجوق فسبحان مبدي الأمم ومبيدها

ودخل طغرلبك بغداد في جمع عظيم وتجمل هائل ودخل معه ثمانية عشر فيلا ونزل بدار المملكة وكان قدومه في الظاهر أنه أتى من غزو الروم إلى همذان فأظهر أنه يريد الحج وإصلاح طريق مكة والمضي إلى الشام من الحج ليأخذها ويأخذ مصر ويزيل دولة الشيعة بها فراج هذا على عامة الناس وكان رئيس الرؤساء يؤثر تملكه وزوال دولة بني بويه فقدم الملك الرحيم من واسط وراسلوا طغرلبك بالطاعة واستمر أمر طغرلبك في ازدياد إلى سنة خمسين وأربعمائة توجه إلى رحبة الموصل ونصيبين وغيرهما واشتغل بحصار طائفة عصت عليه وسلم مدينة الموصل إلى أخيه إبراهيم ينال وتوجه ليفتح الجزيرة فراسل البساسيري إبراهيم ينال أخا السلطان يعده ويمنيه ويطمعه في الملك فأصغى إليه وخالف أخاه وسار في طائفة من العسكر إلى الري فانزعج السلطان وسار وراءه وترك بعض العسكر بديار بكر مع زوجته ووزيره عميد الملك الكندري وربيبه أنوشروان فتفرقت العساكر وعادت زوجته الخاتون إلى بغداد فأما السلطان فالتقى هو وأخوه فظهر عليه أخوه فدخل السلطان همذان فنازله أخوه وحاصره فعزمت الخاتون على إنجاد زوجها واختبطت بغداد واستفحل البلاء وقامت الفتنة على ساق وتم للبساسيري ما دبر من المكر وأرجف الناس بمجيء البساسيري إلى بغداد ونفر الوزير الكندري وأنو شروان إلى الجانب الغربي وقطعا الجسر ونهبت الغر دار الخاتون وأكل القوي الضعيف ثم دخل البساسيري بغداد في ثامن ذي القعدة بالرايات المستنصرية عليها ألقاب المستنصر فمال إليه أهل باب الكرخ لرفضهم وفرحوا به وتشفوا بأهل السنة وشمخت أنوف الرافضة وأعلنوا بالأذان بحي على خير العمل

واجتمع الفريقين في السفن أربعة أيام إلى القائم بأمر الله وقاتلوا معه ونشبت الحرب بين الفريقين في السفن أربعة أيام وخطب يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة ببغداد للمستنصر العبيدي بجامع المنصور وأذنوا عن القائم بحي على خير العلم وعقد الجسر بدران أمير العرب وكان مع البساسيري فأجاره ومن معه وأخرجه إلى مخيمه وقبض البساسيري على وزير القائم رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وقيده وشهره على جمل عليه طرطور وعباءة وجعل في رقبته قلائد كالمسخرة وطيف به في الشوارع وخلفه من يصفعه ثم سلخ له ثور وألبس جلده وخيط عليه وجعلت قرون الثور بجلدها في رأسه ثم علق على خشبة وعمل في فيه كلابان ولم يزل يضطرب حتى مات ونصب للقائم خيمة صغيرة بالجانب الشرقي في المعسكر ونهبت العامة دار الخلافة وأخذوا منها أموالا جزيلة

فلما كان يوم الجمعة رابع ذي الحجة لم تصل الجمعة بجامع الخليفة وخطب بسائر الجوامع للمستنصر وقطعت الخطبة العباسية بالعراق ثم حمل القائم بأمر الله إلى حديثة عانة فاعتقل بها وسلم إلى صاحبها مهارش وذلك لأن البساسيري وقريش من بدران اختلفا في أمره ثم وقع اتفاقهما على أن يكون عند مهارش إلى أن يتفقا على ما يفعلان به

ثم جمع البساسيري القضاة والأشراف وأخذ عليهم البيعة للمستنصر صاحب مصر فبايعوا قهرا ولا قوة إلا بالله وكان ذلك بسوء تدبير حاشية الخليفة القائم واستعجالهم على الحرب ولو طاولوا حتى ينجدهم طغرلبك لما تم ذلك على ما قيل

وذكر أن رئيس الرؤساء كان لا يدري الحرب وكان الأمر بيده فلم يحسن التدبير ثم لما انهزموا لم يشتغل بنفسه بل بالخليفة فإنه صالح يا علم الدين يعني قريشا أمير المؤمنين يستدنيك فدنا منه فقال قد أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك أمير المؤمنين يستذم منك على نفسه وأصحابه بذمام الله وذمام رسوله وذمام العرب فقال قد أذم الله تعالى له

قال ولي ولمن معه قال نعم وخلع قلنسوته فأعطاها للخليفة وأعطى رئيس الرؤساء مخصرة ذماما فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء فسارا معه فأرسل إليه البساسيري أتخالف ما استقر بيننا واختلفا ثم اتفقا على أن يسلم إليه رئيس الرؤساء ويترك الخليفة عنده

وسار حاشية الخليفة على حامية إلى السلطان طغرلبك بالخير مستفزين له ثم أرسل البساسيري رسله بالبشارة إلى صاحب مصر وإعلامه الخبر

وكان وزير مصر أبا الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي وكان سنيا وهو ممن هرب من البساسيري فذم فعله وخوف من سوء عاقبته فتركت أجوبته مدة ثم عادت بغير الذي أمله وصار البساسيري إلى واسط والبصرة فملكها وخطب للمصريين

وأما طغرلبك فكان مشغولا بأخيه إلى أن انتصر عليه وقتله وكر راجعا إلى العراق وقد بلغه الأخبار فجاء ليس لههم إلا إعادة الخليفة إلى رتبته فلما وصل إلى العراق وكان وصوله إليها في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة هرب جماعة البساسيري وانهزم أهل الكرخ

وكانت مدة أيام البساسيري سنة كاملة

ثم بعث السلطان الإمام أبا بكر أحمد بن محمد بن أيوب بن فورك إلى قريش ليبعث معه أمير المؤمنين ويشكره على ما فعل فكان رأيه أن يأخذ الخليفة ويدخل به البرية فلم يوافقه مهارش بل سار بالخليفة فلما سمع السلطان طغرلبك بوصور الخليفة إلى بلاد بدر بن مهلهل أرسل وزيره عميد الملك الكندري والأمراء والحجاب بالسرادقات العظيمة والأهبة التامة فوصلوا وخدموا الخليفة فوصل النهروان في رابع عشرى ذي القعدة وبرز السلطان إلى خدمته وقبل الأرض وهنأه بالسلامة واعتذر عن تأخره بعصيان أخيه وأن قتله عقوبة لما جرى منه من الوهن على الدولة العباسية وقال أنا أمضي خلف هذا الكلب يعني البساسيري إلى الشام وأفعل في حق صاحب مصر ما أجازى به فقلده الخليفة سيفا كان في يده وقال لم يبق مع أمير المؤمنين من داره سواه فنزل به أمير المؤمنين وكشف غشاء الخركاه حتى رآه الأمراء فخدموه ودخل بغداد وكان يوما مشهودا ثم جهز السلطان عسكرا خلف البساسيري فثبت لهم البساسيري وقاتل إلى أن جاءه سهم ضربه به قريش فوقع فنزل إليه دوادار عميد الملك فحز رأسه وحمل عل رمح إلى بغداد وطيف به ثم علق في السوق

501 علي بن الحسن بن الحسين بن محمد القاضي أبو الحسن الخلعي

العبد الصالح موصلي الأصل مصري الدار ولد بمصر في أول سنة خمس وأربعمائة

وسمع أبا محمد عبد الرحمن بن عمر النحاس وأبا العباس أحمد بن محمد بن الحاج الإشبيلي وأبا الحسن الحصيب بن عبد الله بن محمد القاضي وأبا سعد أحمد بن محمد الماليني وأبا عبد الله بن نظيف الفراء وجماعة

روى عنه الحميدي ومات قبله بمدة وأبو علي بن سكرة وأبو الفضل بن طاهر المقدسي وأبو الفتح سلطان بن إبراهيم الفقيه وخلق سواهم آخرهم عبد الله بن رفاعة السعدي خادمه

وكان أعني الخلعي مسند ديار مصر في وقته

قال فيه ابن سكرة فقيه له تصانيف ولي القضاء وحكم يوما واحد واستعفى وانزوى بالقرافة وكان مسند مصر بعد الحبال

قلت وقفت له قديما على كتاب في الفقه وسمه بالمغنى بين البسط والاختصار

وقال أبو بكر بن العربي شيخ معتزل بالقرافة له علو في الرواية وعنده فوائد وقيل كان يبيع الخلع لأولاد الملوك بمصر وكان رجلا صالحا مكينا

قيل كان يحكم بين الجن وأنهم أبطأوا عليه قدر جمعة ثم أتوه وقالوا كان في بيتك شيء من هذا الأترج ونحن لا ندخل مكانا يكون فيه

وعن أبي الفضل الجوهري الواعظ كنت أتردد إلى الخلعي فقمت في ليلة مقمرة ظننت أن الفجر قد طلع فلما جئت باب مسجده وجدت فرسا حسنة على بابه فصعدت فوجدت بين يديه شابا لم أر أحسن منه يقرأ القرآن فجلست أسمع إلى أن قرأ جزءا ثم قال للشيخ آجرك الله فقال له نفعك الله

ثم نزل فنزلت خلفه من علو المسجد فلما استوى على الفرس طارت به فغشي علي من الرعب والقاضي يصيح بي اصعد يا أبا الفضل فصعدت فقال هذا من مؤمني الجن الذين آمنوا بنصيبين وإنه يأتي في الأسبوع مرة يقرأ جزءا ويمضي

وقال ابن الأنماطي قبر الخلعي بالقرافة يعرف بقبر قاضي الجن والإنس ويعرف بإجابة الدعاء عنده

وقال أبو الحسن علي بن أحمد العابد سمعت الشيخ بن نحيساه قال كنا ندخل على القاضي أبي الحسن الخلعي في مجلسه فنجده في الشتاء والصيف وعليه قميص واحد ووجهه في غاية الحسن لا يتغير من البرد ولا من الحر فسألته عن ذلك وقلت يا سيدنا إنا لنكثر من الثياب في هذه اليام وما يغني ذلك عنا من شدة البرد ونراك على حالة واحدة في الشتاء والصيف لا تزيد على قميص واحد فبالله يا سيدي أخبرني فتغير وجهه ودمعت عيناه ثم قال أتكتم علي قلت نعم قال غشيتني حمى يوما فنمت في تلك الليلة فهتف بي هاتف ناداني باسمي فقلت لبيك داعي الله فقال لا بل قل لبيك ربي الله

ما تجد من الألم فقلت إلهي وسيدي ومولاي قد أخذت مني الحمى ما قد علمت

فقال قد أمرتها أن تقلع عنك فقلت إلهي والبرد أيضا فقال قد أمرت البرد أيضا أن يقلع عنك فلا تجد ألم البرد لا الحر

قال فوالله ما أحس ما أنتم فيه من الحر ولا من البرد

قال ابن الأكفاني توفي في سادس عشرى ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة

502 قاضي همذان

كان مشهورا بالفضل والنبل حسن المعرفة بالفقه والأدب

تفقه ببغداد على القاضي أبي الطيب

وسمع من أبي الحسن علي بن عمر القزويني والحسن بن محمد الخلال وغيرهما

وهذا هو والد الميانجي الذي سافر مع الشيخ أبي إسحاق إلى بلاد العجم

وقد وقع الوهم وظن أن المسافر في خدمة الشيخ إنما هو هذا نفسه وليس كذلك وقد وقع التنبيه على هذا من قبل في ترجمة ولده

وإلى هذا كتب الشيخ أبو إسحاق كتاب صفته كتابي أطال الله بقاء سيدنا قاضي القضاة الأجل العالم الأوحد وأدام علوه وتمكينه ورفعته وبسطته وكبت أعداءه وحساده من بغداد ونعم الله تعالى متوالية وله الحمد ومنذ مدة لم أقف على كتاب وأنا متوقع لما يرد من جهته لأسر به وأسكن إليه

وكتب عنوانه شاكره والمفتخر به والداعي له إبراهيم بن علي الفيروزاباذي

قال ابن السمعاني قتل القاضي الميانجي في مسجده في صلاة الصبح في شوال سنة إحدى وسبعين وأربعمائة

503 علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب أبو الحسن الباخرزي الأديب

مصنف دمية القصر

وباخرز ناحية من نواحي نيسابور

تفقه على الشيخ ذيل علي يتيمة الثعالبي

تفقه على الشيخ أبي محمد الجويني ثم أخذ في الأدب وتنقلت به الأحوال إلى أن قتل بباخرز في ذي القعدة سنة سبع وستين وأربعمائة ومن شعره

يا فالق الصبح من لألاء غرته ** وجاعل الليل من أصداغه سكنا

بصورة الوثن استعبدتني وبها ** فتنتني وقديما هجت لي شجنا

لا غرو أن أحرقت نار الهوى كبدي ** فالنار حق على من يعبد الوثنا

وقال أيضا

عجبت من دمعتي وعيني ** من قبل بين وبعد بين

قد كان عيني بغير دمع ** فصار دمعي بغير عين

وقال أيضا

أصبحت عبدا لشمس ** ولست من عبد شمس

إني لأعشق ستي ** وحق من شق خمسي

504 علي بن سعيد بن عبد الرحمن بن محرز بن أبي عثمان المعروف بأبي الحسن العبدري

له مختصر الكفاية في خلافيات العلماء وقد وقفت عليها بخطة

من بنى عبد الدار ومن أهل ميورقة من بلاد الأندلس

كان رجلا عالما مفتيا عارفا باختلاف العلماء

أخذ عن أبي محمد بن حزم الظاهري وأخذ عنه ابن حزم أيضا ثم جاء إلى المشرق وحج ودخل بغداد وترك مذهب ابن حزم وتفقه للشافعي على أبي إسحاق الشيرازي وبعده على أبي بكر الشاشي

وسمع الحديث من القاضي أبي الطيب الطبري والقاضي أبي الحسن الماوردي وأبي محمد الحسن بن علي الجوهري وغيرهم وحدث باليسير

روى عنه أبو القاسم بن السمرقندي وأبو الفضل محمد بن محمد بن عطاف وسعد الخير بن محمد الأنصاري وغيرهم

توفي ببغداد يوم السبت سادس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة

505 علي بن سعيد الإصطخري ثم البغدادي القاضي أبو الحسن المتكلم

حدث عن إسماعيل الصفار

توفي يوم الأحد لثلاث بقين من ذي القعدة سنة أربع وأربعمائة

506 علي بن سهل بن العباس بن سهل أبو الحسن المفسر

من أهل نيسابور

قال السمعاني كان إماما فاضلا زاهدا حسن السيرة مرضي الطريقة جميل الأثر عارفا بالتفسير

قال وجمع كتاب في التفسير وجمع شيئا سماه زاد الحاضر والبادي وكتاب مكارم الأخلاق

سمع أبا عثمان الصابوني وأبا عثمان البحيري وأبا القاسم القشيري وأبا صالح المؤذن وعبد الغافر الفارسي وخلقا

توفي في ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة

507 علي بن عمر بن أحمد بن إبراهيم أبو الحسن البرمكي

أخو إبراهيم وأحمد وكان علي أصغرهم

سمع أبا الفتح القواس وأبا الحسين بن سمعون وأبا القاسم بن حبابة والمعافى بن زكريا ومحمد بن عبد الله بن أخي ميمي

قال الخطيب كتبت عنه وكان ثقة وسألته عن مولده فقال في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ودرس على أبي حامد الإسفرايني مذهب الشافعي

وتوفي في يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة سنة خمسين وأربعمائة

508 علي بن عمر بن محمد بن الحسن الحربي أبو الحسن بن القزويني

أحد أولياء الله المكاشفين بالأسرار المتكلمين على الخواطر

تفقه على الداركي

قال الخطيب كتبنا عنه وكان أحد الزهاد المذكورين ومن عباد الله الصالحين يقرأ القرآن ويروي الحديث ولا يخرج من بيته إلا للصلاة وكان وافر العقل صحيح الرأي رحمة الله عليه قال لي ولدت سنة ستين وثلاثمائة

قلت سمع أبا حفص بن الزيات والقاضي أبا الحسن الجراحي وأبا عمر ابن حيويه وأبا بكر بن شاذان وطبقتهم

روى عنه أبو علي أحمد بن محمد البرداني وأبو سعد أحمد بن محمد بن شاكر الطرسوسي وجعفر بن أحمد السراج والحسن بن محمد بن إسحاق الباقرحي وأبو منصور أحمد بن محمد الصيرفي وعلي بن عبد الواحد الدينوري وهبة الله بن أحمد الرحبي وغيرهم

وله مجالس مشهورة يرويها النجيب الحراني

وقد أطال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ترجمة هذا الشيخ في كتابه ليس في كتابه ترجمة أطول منها لأنه انتخب فيها نبذا من كتاب جمعه أبو نصر هبة الله ابن علي بن المجلي في أخبار ابن القزويني وفضائله

فمنه أن جميع الناس في عصره أجمعوا مع اختلاف آرائهم وتشعب أنحائهم على حسن معتقد هذا الشيخ وزهده وورعه

وعن أحمد بن محمد الأمين وكان ممن استملى على ابن القزويني ما كان أبو الحسن يخرج المجلس لنفسه عن شيوخه ولا يدع أحدا يخرجه إنما كان يدخل إلى منزله وأي جزء وقع بيده خرج به وأملى منه عن شيخ واحد جميع المجلس ويقول حديث رسول الله ينتقى وكان أكثر أصوله بخطه

وقال القاضي أبو الحسن البيضاوي حدثني أبي أبو عبد الله البيضاوي قال كان ثقة يتفقه معنا على الداركي وهو حديث السن وكان حسن الطريقة ملازما للصمت قل أن يتكلم فيما لا يعنيه ومضى على ذلك سنون ولم أجتمع به فلما كان يوم شيعت جنازة إلى باب حرب ثم رجعت من الجنازة فدخلت مسجدا في الحربية صليت فيه جماعة فافتقدت الإمام فإذا به أبو الحسن بن القزويني فسلمت عليه وقلت من تلك السنين ما رأيناك فقال تفقهنا جميعا وكل بعد ذلك سلك طريقا أو كما قال

وعن ابن القزويني أنه سمع الشاة تذكر الله تعالى سمعها تقول لا إله إلا الله وكان جالسا في منزله يتوضأ لصلاة العصر فقال لأهل داره لا تخرج هذه الشاة غدا إلى الرعي فأصبحت ميتة

وعن بعضهم مضيت لزيارة قبر ابن القزويني فخطر لي ما يذكر الناس عنده من الكرامات فقلت ترى أيش منزلته عند الله تعالى وعلى قبره مصاحف فحدثتني نفسي بأخذ واحد منها وفتحه فأي شيء كان في أول ورقة من القرآن فهو فيه ففتحته فكان في أول ورقة منه ‏{‏وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏}

وقال أبو محمد الدهان اللغوي كنت ممن يقرأ على ابن القزويني فقلت يوما في نفسي أريد أن أسأله من أي شيء يأكل وأسأله أن يطعمني منه فلما جلست بين يديه قرأت ثم هممت أن أسأله فلحقني له هيبة عظيمة فنهضت فأمرني بالجلوس فجلست إلى أن فرغ من الإقراء ثم قال بسم الله فقمت معه فأدخلني داره وأخرج إلي رغيفين سميذا وبينهما عدس ورغيفين وبينهما تمر أو تين وقال كل فمن هذا نأكل

وعن القاضي الماوردي صليت يوما خلف ابن القزويني فرأيت عليه قميصا أنقى ما يكون من الثياب وهو مطرز فقلت في نفسي أين الطرز من الزهد فلما قضى صلاته قال سبحان الله الطرز لا ينقص أحكام الزهد الطرز لا ينقص أحكام الزهد مرتين أو ثلاثا

وعن أبي بكر محمد بن الحسين القزاز قال كان ينزل بنهر طابق رجل صالح زاهد على طريقة حسنة يلبس الصوف ويأكل الشعير بالملح الجريش وكان يبلغه أن ابن القزويني يأكل طيب الطعام ويلبس رقيق الثياب فقال يا سبحان الله رجل زاهد مجمع على زهده لا يختلف فيه اثنان يأكل هذا المأكول ويلبس هذا الملبوس أشتهي أن أراه فجاء إلى الحربية فدخل مسجد القزويني وهو في منزله ثم إنه خرج فأذن ودخل المسجد وفيه ذلك الرجل وجماعة غيره فقال القزويني سبحان الله رجل يومأ إليه بالزهد والورع يعارض الله في أفعاله أو فيما يجري فيه عبيدة مرتين أو ثلاثا

وما هاهنا محرم ولا منكر بحمد الله فطفق ذلك الرجل يتشاهق ويبكي بكاء شديدا والجماعة ينظرون إليه لا يدرون ما الخبر وصلى القزويني الظهر فلما فرغ من صلاته خرج الرجل من المسجد يهرول حافيا إلى أن خرج من الحربية

فلما قضى القزويني ركوعه التفت إلى أبي طالب فقال له بين الحربية والمشهد حائط وضع ليكون سورا وما تم تمضي إليه وتحمل هذا المداس معك وتقول لذلك الشخص الجالس عليه لا يكون لك عودة أو كما قال

قال أبو طالب ووالله ما أعلم أن ثم حائطا غير متموم كذا قال والصواب متمم ولا رأيته قط فإذا الرجل بعينه جالس على الحائط يبكي ويتشاهق فوضعت المداس بين يديه وانصرفت

وقال أبو نصر بن الصباغ رحمه الله حضرت القزويني يوما ودخل عليه أبو بكر بن الرحبي فقال له أيها الشيخ أبي شيء أمرتني نفسي أخالفها فقال له إن كنت مريدا فنعم وإن كنت عارفا فلا

فلما انكفأت من عنده فكرت في قوله وكأنني لم أصوبه فرأيت تلك الليلة في منامي شيئا أزعجني وكأن قائلا يقول لي هذا بسبب القزويني يعني لما أخذت في نفسك عليه أو كما قال

قال ابن الصلاح ذلك لأن العارف ملك نفسه فأمن عليها من أن تدعوه إلى محذور بخلاف المريد فإن نفسه بحالها أمارة بالسوء فليخالفها كذلك

وعن محمد بن هبة الله خادم ابن القزويني صليت ليلة مع ابن القزويني صلاة عشاء الآخرة فأمسى في ركوعه ولم يبق في المسجد غيري وغيره فلما قضى صلاته أخذت القنديل بين يديه ومشينا فرأيته قد عبر منزله فمشيت بين يديه فخرج من الحربية وأنا معه وقد صلى في مسجدها الآخر ركعتين فلم أعقل بشيء إذا أنا بموضع أطوف به مع جماعة خلفه حتى مضى هوي من الليل ثم أخذ بيدي وقال لي بسم الله ومشيت معه فلم أعقل بشيء إلا وأنا على باب الحربية فدخلناها قبل الفجر فسألته وأقسمت عليه أين كنا فقال لي ‏{‏إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ‏}‏ ذلك البيت الحرام أو بيت المقدس راوي الحكاية يشك

قال النووي أمسى في ركوعه يعني صلاته والصلاة تسمى ركوعا

قال ولفظ الطواف يدل على أنه البيت الحرام فإن الطواف لا يشرع لغيره

قلت عبارته أطوف به فيحتمل أن يريد الطواف الشرعي ويحتمل أن يريد أن يدور في جوانبه فلا يتعين أن يكون هو الطواف الشرعي حتى يتعين أن يكون هو البيت الحرام

ثم ساق جامع فضائل القزويني حكايات كثيرة تدل على أن الله تعالى أكرمه بهذه المنقبة وهي طيء الأرض له

وعن أبي نصر عبد الملك بن الحسين الدلال قال كنت أقرأ على أبي طاهر ابن فضلان المقرىء وكنت إذ ذاك أقرأ على أبي الحسن بن القزويني فقال لي ابن فضلان يوما وقد جرى ذكر كرامات القزويني لا تعتقد أن أحدا يعلم ما في قلبك فخرجت من عنده إلى ابن القزويني فقال سبحان الله مقاومة معارضة روي عن النبي قال ‏(‏ إن تحت العرش ريحا هفافة تهب إلى قلوب العارفين ‏)‏

وروي عن النبي قال ‏(‏ قد كان فيمن خلا قبلكم ناس محدثون فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب ‏)‏

وعن بعضهم أصبحت يوما لا أملك شيئا فقلت في نفسي أشتهي أن أجد الساعة في وسط الحربية دينارا أعود به إلى عيالي ومشيت فوافيت القزويني يخرج من منزله فصاح بي فجئت إليه فقال لي أما علمت أن اللقطة إذا لم تعرف فهي حرام وأخرج لي دينارا فوضعه في كفي وقال خذه حلالا

وعن آخر دخلت مسجده وقد حمل إليه تفاح ومشمش كثير جدا وهو يفرق على ضعفاء الحربية فكأنني استكثرته وقلت في نفسي قد بقي في الناس لله بعد شيء فرفع القزويني رأسه إلي في الحال وقال سبحان الله يستكثر لله شيء لو رأيتم ما ينفق في معاصي الله وعن بعضهم أصابني ريح المفاصل حتى رميت لأجلها فأمر القزويني يده من وراء كمه عليها فقمت من ساعتي معافى

وذكر ابن الصلاح كرامات أخر كثيرة حذفتها اختصارا لدلالة ما ذكرناه عليها لكونها من نوعه

مات ابن القزويني في ليلة الأحد لخمس خلون من شعبان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة

ومن الفوائد عنه

عن الشيخ أبي نصر بن الصباغ الفقيه رحمه الله حضرت القزويني للسلام عليه فقلت في نفسي قد حكي له أنني أشعري فربما رأيت منه في ذلك شيئا فلما جلست بين يديه قال لي لا نقول إلا خيرا لا نقول إلا خيرا مرتين أو ثلاثا ثم التفت إلي وقال لي من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله فيراطان مع القيراط أو غير القيراط قال قلت مع القيراط

قال جيد بالغ

ونهض فدخل مسجده وطالبني أهل المسجد بالدليل فقلت لهم في القرآن مثله قال الله تعالى ‏{‏قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ‏}‏ مع اليومين

قلت ونظير هذا قوله ‏(‏ من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله ‏)‏

وقد اختلف فيمن صلاها جماعة هل يكون كمن قال ليلة ونصف ليلة والأرجح لا يكون

قال أبو طاهر بن جحشويه أردت سفرا وحنت خائفا منه فدخلت إلى القزويني أسأله الدعاء فقال ابتداء من أراد سفرا ففزع من عدو أو وحش فليقرأ ‏{‏لإِيلافِ قُرَيْشٍ‏}‏ فإنها أمان من كل سوء فقرأتها فلم يعرض لي عارض حتى الآن

509 علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن سعيد المحاملي أبو القاسم بن أبي الفضل بن أبي الحسن بن أبي الحسين

تفقه على أبي إسحاق الشيرازي وسمع من الخطيب وغيره وأعاد عند فخر الإسلام الشاشي

توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة

510 علي بن محمد بن إسماعيل العراقي

تفقه على أبي محمد الجويني وولي القضاء بطوس

وسمع أبا حفص بن مسرور وأبا عثمان الصابوني وغيرهما

توفي بطوس في مستهل شهر رمضان سنة ثمان وتسعين وأربعمائة عن أربع وثمانين سنة

511 علي بن محمد بن حبيب الإمام الجليل القدر الرفيع الشان أبو الحسن الماوردي

صاحب الحاوي والإقناع في الفقه وأدب الدين والدنيا والتفسير ودلائل النبوة والأحكام السلطانية وقانون الوزارة وسياسة الملك وغير ذلك

روى عن الحسن بن علي الجبلي صاحب أبي خليفة ومحمد بن عدي المنقري ومحمد ابن المعلي الأزدي وجعفر بن محمد بن الفضل الغدادي

روى عنه أبو بكر الخطيب وجماعة آخرهم أبو العز بن كادش

وتفقه بالبصرة على الصيمري ثم رحل إلى الشيخ أبي حامد الإسفرايني ببغداد

وكان إماما جليلا رفيع الشأن له اليد الباسطة في المذهب والتفنن التام في سائر العلوم

قال الشيخ أبو إسحاق درس بالبصرة وبغداد سنين كثيرة وله مصنفات كثيرة في الفقه والتفسير وأصول الفقه والآداب وكان حافظا للمذهب

انتهى

وقال الخطيب كان من وجوه الفقهاء الشافعيين وله تصانيف عدة في أصول الفقه وفروعه وغير ذلك قال وجعل إليه ولاية القضاء ببلدان كثيرة

وقال ابن خيرون كان رجلا عظيم القدر مقدما عند السلطان أحد الأئمة له التصانيف الحسان في كل فن من العلم بينه وبين القاضي أبي الطيب في الوفاة أحد عشر يوما

وقيل إنه لم يظهر شيئا من تصانيفه في حياته وجمعها في موضع فلما دنت وفاته قال لمن يثق به الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة فإذا عاينت الموت ووقعت في النزع فاجعل يدك في يدي فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قد قبلت وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية

قال ذل الشخص فلما قاربت الموت وضعت يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي فعلمت أنها علامة القبول فأظهرت كتبه بعده

قلت لعل هذا بالنسبة إلى الحاوي وإلا فقد رأيت من مصنفاته غيره كثيرا وعليه خطه ومنه ما أكملت قراءته عليه في حياته

ومن كلام الماوردي الدال على دينه ومجاهدته لنفسه ما ذكره في كتاب أدب الدين والدنيا فقال ومما أنذرك به من حالي أني صنفت في البيوع كتابا جمعته ما استطعت من كتب الناس وأجهدت فيه نفسي وكددت فيه خاطري حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أني أشد الناس اطلاعا بعلمه حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل ولم أعرف لشيء منها جوابا فأطرقت مفكرا وبحالي وحالهما معتبرا فقالا أما عندك فيما سألناك جواب وأنت زعيم هذه الجماعة فقلت لا فقالا إيها لك

وانصرفا ثم أتيا من قد يتقدمه في العلم كثير من أصحابي فسألاه فأجابهما مسرعا بما أقنعهما فانصرفا عنه راضيين بجوابه حامدين لعلمه

إلى أن قال فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة تذلل لهما قياد النفس وانخفض لهما جناح العجب

قال الخطيب كان ثقة مات في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة ودفن من الغد في مقبرة باب حرب

قال وكان قد بلغ ستا وثمانين سنة

ذكر البحث عما رمي به الماوردي من الاعتزال

قال ابن الصلاح هذا الماوردي عفا الله عنه يتهم بالاعتزال وقد كنت لا أتحقق ذلك عليه وأتأول له وأعتذر عنه في كونه يورد في تفسيره في الآيات التي يختلف فيها أهل التفسير تفسير أهل السنة وتفسير المعتزلة غير متعرض لبيان ما هو الحق منها وأقول لعل قصده إيراد كل ما قيل من حق أو باطل ولهذا يورد من أقوال المشبهة أشياء مثل هذا الإيراد حتى وجدته يختار في بعض المواضع قول المعتزلة وما بنوه على أصولهم الفاسدة ومن ذلك مصيره في الأعراف إلى أن الله لا يشاء عبادة الأوثان وقال في قوله تعالى ‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ‏}‏ وجهان في جعلنا أحدهما معناه حكمنا بأنهم أعداء والثاني تركناهم على العداوة فلم نمنعهم منها

وتفسيره عظيم الضرر لكونه مشحونا بتأويلات أهل الباطل تلبيسا وتدسيسا على وجه لا يفطن له غير أهل العلم والتحقيق مع أنه تأليف رجل لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة بل يجتهد في كتمان موافقتهم فيما هو لهم فيه موافق ثم هو ليس معتزليا مطلقا فإنه لا يوافقهم في جميع أصولهم مثل خلق القرآن كما دل عليه تفسيره في قوله عز وجل ‏{‏مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏}‏ وغير ذلك ويوافقهم في القدر وهي البلية التي غلبت على البصريين وعيبوا بها قديما

انتهى

شرح حال الفتيا الواقعة في زمان الماوردي فيمن لقب بشاهنشاه

وهي من محاسن الماوردي وقد ساقها الشيخ محمد بن الشيخ أبي الفضل عبد الملك ابن إبراهيم الهمذاني في ذيله الذي ذيله على تاريخ أبي شجاع محمد بن الحسين الوزير العالم وأبو شجاع أيضا مذيل على تاريخ متقدم

وحاصلها أنه في سنة تسع وعشرين وأربعمائة في شهر رمضان أمر الخليفة أن يزاد في ألقاب جلال الدولة ابن بويه شاهنشاه الأعظم ملك الملوك وخطب له بذلك فأفتى بعض الفقهاء بالمنع وأنه لا يقال ملك الملوك إلا لله وتبعهم العوام ورموا الخطباء بالآجر

وكتب إلى الفقهاء في ذلك فكتب الصيمري الحنفي أن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية

وكتب القاضي أبو الطيب الطبري بأن إطلاق ملك الملوك جائز ومعناه ملك ملوك الأرض قال وإذا جاز أن يقال قاضي القضاة جاز أن يقال ملك الملوك

ووافقه التميمي من الحنابلة

وأفتى الماوردي بالمنع وشدد في ذلك وكان الماوردي من خواص جلال الدولة فلما أفتى بالمنع انقطع عنه فطلبه جلال الدولة فمضى إليه على وجل شديد فلما دخل قال له أنا أتحقق أنك لو حابيت أحدا لحابيتني لما بيني وبينك وما حملك إلا الدين فزاد بذلك محلك عندي

قلت وما ذكره القاضي أبو الطيب هو قياس الفقه إلا أن كلام الماوردي يدل على حديث ابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ‏(‏ أخنع اسم عند الله تعالى يوم القيامة رجل يسمى ملك الأملاك ‏)‏

رواه الإمام أحمد

وقال سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع فقال أوضع

والحديث في صحيح البخاري

وفي حديث عوف عن خلاس عن أبي هريرة أن النبي ‏(‏ اشتد غضب الله على من قتل نفسه واشتد غضب الله على رجل تسمى بملك الملوك لا ملك إلا لله تعالى ‏)‏

قلت ولم تمكث دولة بني بويه بعد هذا اللقب إلا قليلا ثم زالت كأن لم تكن ولم يعش جلال الدولة بعد هذا اللقب إلا أشهرا يسيرة ثم ولي الملك الرحيم منهم وبه انقرضت دولتهم

ومن الرواية عن الماوردي

أخبرنا الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى قراءة عليه وأنا أسمع أخبرنا إسحاق بن أبي بكر الأسدي سماعا أنبأنا أبو البقاء يعيش بن علي النحوي حدثنا الخطيب أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن بدران الحلواني أخبرنا أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي قراءة عليه أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد الجبلي حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة حدثنا أبو إسحاق قال سمعت البراء رضي الله عنه يقول كان رسول الله معنا التراب يوم الأحزاب وقد وارى التراب بياض بطنه وهو يقول

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا ** وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا ** إذا أرادوا فتنة أبينا

أخبرنا الحافظ أبو العباس بن المظفر بقراءتي عليه أخبرنا أحمد بن هبة الله بن عساكر بقراءتي عليه أخبرنا إسماعيل بن عثمان القارىء إجازة أخبرنا هبة الرحمن بن عبد الواحد القشيري إملاء حدثنا الإمام ركن الإسلام والدي إملاء أخبرنا أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد الماوردي ببغداد حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد البغدادي بالبصرة حدثنا أبو الفوارس العطار بمصر أخبرنا المزني حدثنا الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجالا من أصحاب النبي ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان منكم متحريا فليتحرها في السبع الأواخر

ومن الفوائد عن الماوردي

قال الماوردي في كتاب الشهادات من الحاوي في الكلام على قول الشافعي رضي الله تعالى عنه وإن كان يديم الغناء كتب إلى أخي من البصرة وقد اشتد شوقه إلى لقائي ببغداد

طيب الهواء ببغداد يشوقني ** قدما إليها وإن عاقت مقادير

فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت ** طيب الهواءين ممدود ومقصور

قال النووي قوله طيب الهواءين لحن عند النحويين لأنهم لا يجيزون تثنية المختلفين في الصيغة إلا في ألفاظ سمعت من العرب كالأبوين والعمرين وشبهه من المسموع

قلت في المسألة مذاهب للنحاة فمن قائل يمتنع مطلقا ويؤول ما ورد من ذلك وهو اختيار شيخنا أبي حيان ومن قائل يجوز مطلقا وهو اختيار ابن مالك وقال ابن عصفور إن اتفقا في المعنى الموجب للتسمية كالأحمرين للذهب والزعفران والأطيبين للشباب والنكاح وإلا فلا

ولي على هذه المسألة كلام مفرد في جواب سؤال سألنيه صاحبنا الإمام الأديب صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي على قول الحريري صاحب المقامات

جاد بالعين حين أعمى هواه ** عينه فانثنى بلا عينين

وهو البيت الذي لحنه المانعون فيه ولعلنا نتكلم على ذلك في ترجمة الحريري إن شاء الله تعالى

ومن المسائل والفوائد عنه

قال في الأحكام السلطانية يجوز أن يكون وزير التنفيذ ذميا بخلاف وزير التفويض وفرق بأن وزير التفويض يولي ويعزل ويباشر الحكم ويسير الجيش ويتصرف في بيت المال بخلاف وزير التنفيذ

وقال إذا استسقى كافر تخير الأمير بين سقيه ومنعه كما يتخير بين قتله وتركه

وقال إذا غاب إمام المسجد ولم يستنب استؤذن الإمام فإن تعذر استئذانه تراضى أهل البلد يؤمهم فإذا حضرت صلاة أخرى والإمام على غيبته فقد قيل المرتضى في الصلاة الأولى أولى في الثانية وما بعد إلى أن يحضر الإمام وقيل بل يختار للثانية ثان يرتضى غير الأول لئلا يصير هذا الاختيار تقليدا سلطانيا

قال الماوردي ورأيي أن يراعي حال الجماعة في الثانية فإن حضرها من حضر في الأولى كان المرتضى في الأولى أحق وإن حضرها غيرهم كان الأول كأحدهم واستأنفوا اختيار إمام

قلد السلطان إمامين في مسجد ولم يخص أحدهما بزمن ولا صلوات فأيهما سبق كان أحق بالإمامة وليس للآخر أن يؤم الصلاة بقوم آخرين لأنه لا يجوز أن تقام في المساجد السلطانية جماعتان في صلاة واحدة واختلف في السبق الذي يستحق به التقدم على وجهين أحدهما سبقه بالحضور إلى المسجد والثاني بالإمامة فيه فإن حضرا معا ولم يتفقا على تقديم أحدهما فوجهان أحدهما يقرع والثاني يختار أهل الناحية

قال الماوردي في الحاوي فيما إذا قال قارضتك على أن لك سدس عشر تسع الربح والأصح فيه الصحة لأنه معلوم من الصيغة يمكن الاطلاع عليه غير أنا نستحب لهما أن يعدلا عن هذه العبارة الغامضة إلى ما يعرف على البديهة من أول وهلة لأن هذه عبارة قد توضح للإخفاء والإغماض قال الشاعر

لك الثلثان من قلبي ** وثلثا ثلثه الباقي

وثلثا ثلث ما يبقى ** وثلث الثلث للساقي

وتبقى أسهم ست ** تقسم بين عشاقي

فانظر إلى هذا الشاعر وبلاغته وتحسين عبارته كيف أغمض كلامه وقسم قلبه وجعله مجزأ على أحد وثمانين جزءا هي مضروب ثلاثة في ثلاثة ليصح منها مخرج ثلث ثلث الثلث فجعل لمن خاطبه أربعة وسبعين جزءا من قلبه وجعل للساقي جزءا وبقي الستة الأجزاء ففرقها فيمن يحب

وليس للإغماض في عقود المعاوضات وجه مرضي ولا حال يستحب غير أن العقد لا يخرج به عن حكم الصحة إلى الفساد ولا عن حال الجواز إلى المنع لأنه قد يؤول بهما إلى العلم ولا يجهل عند الحكم

انتهى كلام الماوردي

وقد أورثه حب الأدب إدخال هذه الأبيات الغزلية في الفقه

وقوله جزأ قلبه على أحد وثمانين جزءا وجهه ظاهر وقد أعطاه في الأول أربعة وخمسين وهي ثلثا القدر المذكور ثم ثلثى الثلث الثالث وهي ثمانية عشر وبقيت تسعة فأعطاه ثلثى ثلثها وهو اثنان ويبقى سبعة واحد وهو ثلث الثلث الباقي للساقي وستة مقسومة

وقوله ليس للإغماض في المعاوضات حال مرضي فممنوع فقد يقصد المتعاقدان إخفاء ما يتعاقدان عليه عن سامعه لغرض ما ومثله مذكور في بعتك مثل ما باع به فلان فرسه

قال الماوردي في الحاوي يجب في سلخ جلد ابن آدم حكومة لا تبلغ دية النفس

ذكره قبل باب اصطدام الفارسين بأوراق

وهو خلاف ما جزم به الرافعي أنه تجب الدية فيه

وفي الحاوي في باب كيفية اللعان لو قال لابنه أنت ولد زنا كان قاذفا لأمه

انتهى

وهي مسألة حسنة تعم بها البلوى ذكرها ابن الصلاح في فتاويه بحثا من قبل نفسه وكأنه لم يطلع فيها على نقل وزاد ابن الصلاح أنه يعزز للمشتوم

وقال عند كلامه على إمامة العبد إمامة الحر الضرير أولى من إمامة العبد البصير لأن الرق نقص

انتهى

وهو غريب منه فإنه قطع بأن البصير أولى من الأعمى كما يقول صاحب التنبيه فهذه صورة تقع مستثناة من ذلك

وقيد في باب اختلاف نية الإمام والمأموم الصبي الذي يصح أن يؤم البالغين بالمراهق ولم أر لفظة المراهق لغيره إنما عبارة الأصحاب المميز فإن أراد بالمراهق المميز وهو الظاهر فقد وضع المقيد موضع المطلق لأن التمييز أعم من سن المراهق وإلا فلا أعرف له قدوة فإن كل من أجاز إمامة الصبي قنع بالتمييز

قال في الحاوي قبيل باب قتل المحرم صيدا فيمن مات وعليه حجة الإسلام وحجة منذورة لو استؤجر رجلان ليحجا عنه في عام واحد أحدهما يحرم بحجة الإسلام والآخر بحجة النذر فيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز لأن حج الأجير يقوم مقام حجه وهو لا يقدر على حجتين في عام واحد فكذا لا يصح أن يحج عنه رجلان أن يحج عنه رجلان في عام واحد

والوجه الثاني أن ذلك جائز لأنه إنما لم يصح منه حجتان في عام لاستحالة وقوعهما منه والأجيران قد يصح منهما حجتان في عام فاختلفا فعلى هذا أي الأجيرين سبق بالإحرام كان إحرامه متعينا لحجة الإسلام وإحرام الذي بعده متعينا لحجة النذر فإن أحرما معا في حالة واحدة من غير أن يسبق أحدهما الآخر احتمل وجهين أحدهما أنه يعتبر أسبقهما إجازة وإذنا فينعقد إحرامه بحجة الإسلام والذي بعده بحجة النذر

والثاني أن الله تعالى يحتسب له بإحداهما عن حجة الإسلام لا بعينها والأخرى عن حجة النذر

انتهى

وقد تضمن استحالة حجتين في عام واحد من رجل واحد وأنه مفروغ منه وهو حق وعليه نص الشافعي رضي الله تعالى عنه ومتوهم خلافه مخطىء كما قرره الوالد الشيخ الإمام رحمه الله

ومن العجب أن صاحب البحر أهمل فيه مع كثرة تتبعه للحاوي أول هذا الفصل واقتصر على قوله ما نصه فرع لو كانت عليه حجة الإسلام وحجة النذر فاستأجر رجلين في عام واحد وأحرما عنه في حالة واحدة من غير أن يسبق أحدهما الآخر يحتمل وجهين أحدهما أنه يعتبر أسبقهما إجارة وإذنا فينعقد إحرامه بحجة الإسلام وما بعده بحجة النذر

والثاني يحتسب له بإحداهما عن حجة الإسلام لا بعينها والأخرى عن حجة النذر

انتهى

ذكر الماوردي في الحاوي وتبعه الروياني في البحر أنه لو أسلم إليه في جارية بصفة فأتاه بها على تلك الصفة وهي زوجته لم يلزمه قبولها لأنه لو قبلها بطل نكاحه فيدخل عليه بقبولها نقض

قال وكذلك المرأة إذا أسلمت فأحضر إليها زوجها لم يلزمها القبول لما فيه من فسخ النكاح

واعترضه ابن الرفعة بأن الزواج عيب في الزوج والأمة فعدم إيجاب القبول لوجود العيب لا لخوف الضرر بفسخ النكاح

قلت وهو اعتراض صحيح إن لم تكن صورة المسألة أنه أسلم في أمة ذات زوج والذي يظهر وعليه جرى الوالد في شرح المنهاج أن المسألة مصورة بمن أسلم في أمة ذات زوج

ثم قال ابن الرفعة وإذا كان كذلك أمكن أن يقال إذا قبض المحضر ولم يعرف المسلم الصورة فإن لم يرد انفسخ النكاح ولو رد لم يرض به يكون في انفساخه خلاف مبني على أن الدين الناقص هل يملك بالقبض ويرتد بالرد أو لا يملك إلا بالرضا بعده فعلى الأول ينفسخ النكاح وعلى الثاني لا ينفسخ

وقد يجاب بأن النكاح لما كان يرتفع بالتسليم وإن كان عيبا قدر عدمه في الحال نظرا لما جعل المحقق الوقوع كالواقع والمشرف على الزوال كالزائد ويشهد لذلك أمران أحدهما أنه إذا اشترى جارية وزوجها وقال لها الزوج إن ردك المشتري بعيب فأنت طالق فإن للمشتري ردها بما اطلع عليه من عيبها لأن الزوجية تزول بالرد وقدرت كالمعدومة

والثاني أنه لو قتل أمة مزوجة يلزمه قيمتها خلية عن الزوج

قلت والفرعان المستشهد بهما ممنوعان

أما قول الزوج إن ردك المشتري بعيب فأنت طالق فهو شيء قاله والد الروياني وسكت عليه الرافعي

وقد قال الوالد في شرح المنهاج الأقرب خلافه

وأما من قتل أمة مزوجة فالظاهر أنه إنما يلزمه قيمتها ذات زوج

وحكى الماوردي ثم الروياني وجهين فيما لو أسلم إليه في عبد فأتاه بأخيه أو عمه وجهين في أنه هل له الامتناع من قبوله لأن من الحكام من يحكم بعتقه عليه فيكون قبوله ضررا أما لو أتاه بأبيه أو جده فلا يلزمه القبول قطعا فإن قبضه وهو لا يعلم ثم علم ففي صحة القبول وجهان

قاله الماوردي

وذكر في اليمين الغموس أنها أوجبت الكفارة وهي محلولة غير منعقدة وبه جزم ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط وقال إنما وجبت الكفارة بمجرد العقد وهو كونه حلف والحنث وهو كونه كذب

والذي صرح به صاحب البحر أنها منعقدة وهو قضية تصريح صاحب التنبيه والرافعي وغيرهما وهو الأشبه واللائق لمن يوجب الكفارة

وكلام ابن الصلاح يؤول إلى أنه لا يلزم من عقد انعقاد وفيه نظر

وذكر الماوردي أيضا في كلامه على اليمين الغموس في أثناء الحجاج أن الحلف بالمخلوق حرام والذي في الرافعي عن الإمام أن الأصح القطع بأنه غير محرم وإنما هو مكروه

وعبارة الشافعي رضي الله عنه أخشى بأنه يكون الحلف بغير الله معصية

وقد اقتصر الماوردي عند كلامه في هذا النص على الكراهة

كما فعله المعظم

نقل الرافعي أن الماوردي قال في الأحكام السلطانية إن للقاضي أن يحكم على عدوه بخلاف الشهادة عليه لأن أسباب الحكم ظاهرة وأسباب العداوة خافية وهو كما نقله في الأحكام السلطانية لكنه أطلق في المسألة في الحاوي عند الكلام في التحكيم ثلاثة أوجه ثالثها الفرق بين الحكم والتحكيم فيجوز على العدو لاختياره والحكم بولاية القضاء فلا يجوز ولم يرجح فيها شيئا وقيد المسألة قبل ذلك وهذه عبارته قال قبل باب كتاب قاض إلى قاض ويجوز أن يحكم لعدوه على عدوه وجها واحدا وإن لم يشهد عليه بخلاف الوالدين والمولودين لوقوع الفرق بينهما من وجهين أحدهما أن أسباب العداوة طارئة تزول بعد وجودها الحادث بعد عدمها وأسباب الأنساب لازمه لا تزول ولا تحور فغلظت هذه وخففت تلك

الثاني أن الأنساب محصورة متعينة والعداوة منتشرة مبهمة فيفضي ترك الحكم معها إلى امتناع كل مطلوب بما يدعيه من العداوة

انتهى

غير أن هذين الفرقين يقتضيان جواز الحكم على العدو مطلقا كما نقله الرافعي وإذا تأملت الفرقين عرفت اندفاع قول الشافعي مشككا عليه وهذا يشكل بالتسوية بينهما في حق الأبعاض وغيره وعرفت أيضا أنه إن لم يكن الأمر كما نقله من جواز الحكم على العدو مطلقا وإلا فالعلة عامة والدعوى خاصة فإنه قد يقال يقضي لعدوه على عدوه كما يقضي للأصول على الفروع وبالعكس على الخلاف فيه وإن لم يقض عليه مطلقا واقتصر الرافعي في القضاء للأصول والفروع على وجهين وفي الحاوي وجه ثالث أنه يقتضى لهم بالإقرار لبعد التهمة فيه ولا يقضي بالبينة

قال الماوردي في الحاوي في باب كتاب قاض إلى قاض في أواخره ولو لم يذكر القاضي في كتابه سبب حكمه وقال ثبت عندي بما يثبت بمثله الحقوق

وسأله المحكوم عليه عن السبب الذي حكم به عليه نظر فإن كان قد حكم عليه بنكوله ويمين الطالب يلزمه أن يذكره لأنه يقدر على دفعه بالبينة وإن كان قد حكم عليه بالبينة فإن كان الحكم بحق في الذمة لم يلزمه ذكره لأنه لا يقدر على دفعها بمثلها وإن كان الحكم بعين قائمة لزمه أن يذكرها لأنه يقدر على مقابلتها بمثلها وتترجح بينة اليد فيكون وجوب التبيين معتبرا بهذه الأقسام

انتهى

وقد أخذ صاحب البحر قوله فيكون وجوب التبيين معتبرا بهذه الأقسام مقتصرا عليه فقال وإن لم يذكر القاضي ما حكم به منها في كتابه وقال ثبت عندي بما يثبت بمثله الحقوق فهل يجوز وجهان

قلت وهذا الوجه الذي أشار إليه بعد الجواز هو الذي أشار إليه الرافعي عند قوله في الركن الثالث في كيفية إنهاء الحكم إلى قاض آخر وفي فحوى كلام الأصحاب مانع من إبهام الحجة لما فيه من سد باب الطعن والقدح على الخصم وبهذا الوجه يتسلق إلى منازعته في جزمه قبل ذلك قال القاضي لو قال على سبيل الحكم نساء هذه القرية طوالق من أزواجهن يقبل ولا حاجة إلى حجة

ذكره في آخر الثالثة من الفصل الثاني في العزل ثم قال مسألة عند الكلام في القضاء بالعلم فإنه قال وأجابوا عن معنى التهمة قال القاضي لو قال ثبت عندي وصح لدي كذا لزم قبوله ولم يبحث عما صح وثبت

واعلم أن الأصل في تسمية القاضي الشهود الذي حكم بشهادتهم فيه للناس خلاف قديم بين الشافعية والحنفية حكاه الماوردي وصاحب البحر وغيرهما

كان الشافعية يقولون الأولى التسمية وذاك أحوط للمحكوم عليه

وكان الحنفية يقولون الأولى تركه وهو أحوط للمشهود عليه

والماوردي ذكر المسألة في باب كتاب قاض إلى قاض وحكى في باب ما على القاضي في الخصوم والشهود أن أبا العباس بن سريج كان يختار مذهب الحنفية في ذلك

قال الروياني في البحر فإن لم يسمهما قال شهد عندي رجلان حران عرفهما بما يجوز به قبول شهادتهما وإن سماهما قال شهد عندي فلان وفلان وقد ثبت عندي عدالتهما

قلت فيجتمع من الكلامين في التسمية ثلاثة أوجه أحدهما أن تركه أولى وهو رأي ابن سريج

والثاني أن ذكره أولى ولكن لا يجب

والثالث أنه واجب وعلى الوجوب لا يخفى إيجابه إبداء المستند إذا طولب به وعلى عدم الوجوب هل يجب إبداؤه إذا سئل فيه ما تقدم من تفصيل الماوردي غير أن قوله في اليمين المردودة يبنى على أنها كالإقرار أو كالبينة فهي لا تخرج عنهما وإن كان الإقرار فيها ضمنا

وقد سبق في ترجمة ابن سريج ما إذا ضم إليه هذا صار كلاما في المسألة

مسألة

المرتد يعود إلى الإسلام هل تقبل شهادته بمجرد عوده أو يحتاج إلى الاستبراء كالفاسق يتوب وهي مسألة مهمة وللنظر فيها وقفة فإنه قد يستصعب عدم استبرائه مع كون معصيته أغلظ المعاصي ويستصعب استبراؤه والإسلام يبجب ما قبله

والذي يقتضيه كلام فقهائنا قاطبة الجزم بعدم استبرائه وأنه يعود بالشهادتين إلى حاله قبل ردته وادعى ابن الرفعة نفي الخلاف في ذلك وحكى عن الأصحاب أنهم فرقوا بأنه إذا أسلم فقد أتى بضد الكفر فلم يبق بعده احتمال وليس كذلك إذا أظهر التوبة بعد الزنا والشرب لأن التوبة ليس مقيدة بالمعصية بحيث ينفيها من غير احتمال فلهذا اعتبرنا في سائر المعاصي صلاح العمل وحكى هذا الفرق عن القاضي أبي الطيب وغيره

قلت والحاصل أن المرتد بإسلامه تحققنا أنه جاء بضد الردة ولا كذلك التائب من الزنا ونحوه

وقد أشار إلى هذا الفرق الشيخ أبو حامد فقال في تعليقته في الكلام على توبة القاذف ما نصه فإن قيل ما الفرق بين القاذف والمرتد حتى قلتم القاذف يطالب بأن يقول القذف باطل والمرتد لا يطالب بأن يقول الكفر باطل أجاب بأنه لا فرق في المعنى وذكر نحو ذلك وقد قدمنا عبارته عن هذا في ترجمة الإصطخري في الطبقة الثالثة

وما نقله ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب رأيته في تعليقته كما نقله

ولفظه فإن قيل فكيف اعتبرتم صلاح العمل في التوبة التي هي فعل ولم تعتبروه هاهنا فالجواب أنه إذا أسلم فقد أتى بضد الكفر ولم يبق بعد ذلك احتمال وليس كذلك إذا كان قد زنى أو سرق ثم تاب لأن توبته ليست مضادة لمعصيته بحيث يتركها من غير احتمال فلهذا اعتبرنا فيه صلاح العمل

انتهى

ذكره في الكلام على توبة القاذف في باب شهادة القاذف وهو صحيح لكنا نفيدك هنا أن الماوردي لم يسلم أن المرتد لا يستبرأ مطلقا بل فصل فيه فقال في الحاوي في باب شهادة القاذف ما نصه فإذا أتى المرتد بما يكون به تائبا عاد إلى حاله قبل ردته فإن كان ممن لا تقبل شهادته قبل ردته لم تقبل بعد توبته حتى يظهر منه شروط العدالة وإن كان ممن تقبل شهادته قبل الردة نظر في التوبة فإن كانت عند اتقائه للقتل لم تقبل شهادته بعد التوبة إلا أن يظهر منه شروط العدالة باستبراء حاله وصلاح عمله وإن تاب من الردة عفوا غير متق بها القتل عاد بعد التوبة إلى عدالته

انتهى

وذكره الروياني في البحر أيضا بقريب من هذا أبو بلفظه سواء

وقولهما عند اتقائه للقتل هو بالتاء المثناة من فوق أي عند إسلامه تقية وإنما نبهت على ذلك لأني وجدت من صحفه فجعل موضع التاء لاما وقرأه عند إلقائه للقتل ثم فسره بالتقديم إلى القتل وليس كذلك بل عند الإسلام تقية من القتل سواء كان عند التقديم للقتل أو قبل

وفي أدب القضاء لشريح الروياني ما نصه وإذا أسلم الكافر هل تقبل شهادته في الحال من غير استبراء قد قيل فيه وجهان وقيل إذا أسلم المرتد لا تقبل شهادته إلا بعد استبراء حاله وغيره إذا أسلم تقبل شهادته في الحال والفرق أن كفره مغلظ

انتهى

فتخرج من كلامه مع ما تقدم في المرتد يسلم ثلاثة أوجه في وجوب الاستبراء ثالثها الفرق بين الإسلام تقية وغيره وأما الكافر الأصلي فالوجهان فيه غريبان

ويوافق ما ذكره فيه قول الدارمي في استذكاره بعد الكلام على توبة القاذف وكذلك تختبر الكفار إذا أسلموا فقد أطلق اختبار الكفار

مسألة الوصية لسيد الناس ولأعلمهم

قال في الحاوي قبل باب الوصية لو قال اعطوا ثلثي مالي لأصلح الناس ولأعلمهم كان مصروفا في الفقهاء لاضطلاعهم بعلوم الشريعة التي هي بأكثر العلولم متعلقة

ولو أوصى بثلثه لسيد الناس كان للخليفة

رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المنام فجلست معه ثم قمت أماشيه فضاق الطريق بنا فوقف فقلت له تقدم يا أمير المؤمنين فإنك سيد الناس فقال لا تقل هكذا فقلت بلى يا أمير المؤمنين ألا ترى أن رجلا لو أوصى بثلثه لسيد الناس كان للخليفة أنا أفتيكم بهذا فخط خطي به ولم أكن سمعت هذه المسألة قبل المنام وليس الجواب إلا كذلك لأن سيد الناس هو المتقدم عليهم والمطاع فيهم وهذه صفة الخليفة المتقدم على جميع الأمة

انتهى

مسألة الجهر في قنوت الصبح

وأفاد الماوردي أن الجهر بقنوت الصبح دون جهر القراءة وهي مسألة نافعة مليحة في الاستدلال على مشروعية القنوت

وهذا لفظ الحاوي في القنوت وإن كان إماما فعلى وجهين أحدهما يسر به لأنه دعاء

إلى أن قال ما نصه والوجه الثاني يجهر به كما يجهر بقوله سمع الله لمن حمده

لكن دون جهر القراءة

انتهى

والرافعي اقتصر تبعا لغير واحد على حكاية الوجهين في الجهر من غير تبيين لكيفيته

512 علي بن محمد بن العباس أبو حيان التوحيدي

المتكلم الصوفي صاحب المصنفات شيرازي الأصل وقيل نيسابوري وقيل واسطي

كان إماما في النحو واللغة والتصوف فقيها مؤرخا صنف البصائر والإشارات وغيرهما

وتفقه على القاضي أبي حامد المروروذي

وسمع الحديث من أبي بكر الشافعي وأبي سعيد السيرافي وجعفر الخلدي ولعله أخذ عنه التصوف وغيرهم

روى عنه علي بن يوسف الفامي ومحمد بن منصور بن جيكان وعبد الكريم بن محمد الداودي ونصر بن عبد العزيز المصري الفارسي ومحمد ابن إبراهيم ابن فارس الشيرازيون

وسمع منه أبو سعد عبد الرحمن بن ممجة الأصبهاني بشيراز في سنة أربعمائة

قال ابن النجار له المصنفات الحسنة كالبصائر وغيرها قال وكان فقيرا صابرا متدينا قال وكان صحيح العقيدة

وقال شيخنا الذهبي بل كان عدو الله خبيثا

وقال الذهبي أيضا كان سيء الاعتقاد ثم نقل قول ابن فارس في كتاب الفريدة والخريدة كان أبو حيان كذابا قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان تعرف لأمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل ولقد وقف سيدنا الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يدغله ويخفيه من سوء الاعتقاد فطلبه ليقتله فهرب والتجأ إلى أعدائه ونفق عليهم بزخرفه وإفكه ثم عثروا منه على قبيح دخلته وسوء عقيدته وما يبطنه من الإلحاد ويرومه في الإسلام من الفساد وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح ويضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح فطلبه الوزير المهلبي فاستتر منه ومات في الاستتار وأراح الله منه ولم يؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية

وقال أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه زنادقة الإسلام ثلاثة ابن الراوندي وأبو حيان التوحيدي وأبو العلاء

قال وأشدهم على الإسلام أبو حيان لأنه مجمع ولم يصرح

قلت الحامل للذهبي على الوقيعة في التوحيدي مع ما يبطنه من بغض الصوفية هذان الكلامان ولم يثبت عندي إلى الآن من حال أبي حيان ما يوجب الوقيعة فيه ووقفت على كثير من كلامه فلم أجد فيه إلا ما يدل على أنه كان قوي النفس مزدريا بأهل عصره لا يوجب هذا القدر أن ينال منه هذا النيل

وسئل الشيخ الإمام الوالد رحمه الله عنه فأجاب بقريب مما أقول

ومن غرائب الفوائد عن أبي حيان

قال في كتابه الإمتاع والمؤانسة إن الداء الذي يعتري كثيرا من الكلاب ويقال له الكلب يعرض للجمال أيضا

قال فإذا كلب الجمل نحر ولم يؤكل لحمه

انتهى

وأبو حيان قد نقل عنه الرافعي في مسألة الربا في الزعفران وهو عنده فوائد ومسائل كثيرة عن القاضي أبي حامد المروروذي ومنها مسألة الزعفران ولكني لا أعرف له من قبل نفسه كلاما في الفقه وما ذكره من عدم الأكل ظاهر إن قالت الأطباء إنه مؤذ وأما النحر لغير مأكله ففيه وقفة والذي ينبغي عموم القتل كقتل سائر المضرات لا خصوص النحر

513 علي بن محمد بن علي بن أحمد بن أبي العلاء المعروف بالمصيصي أبو القاسم الدمشقي

فقيه فرضي من أصحاب القاضي أبي الطيب الطبري ولد في رجب سنة أربعمائة بمصر وسمع بها وبدمشق وبغداد من جماعة وروى عنه الحافظ أبو بكر الخطيب وهو أكبر منه وجماعة وتوفي في جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وأربعمائة

514 علي بن محمد بن علي بن المزوج أبو الحسن الشيرازي

سمع من الخطيب وغيره

روى عنه أبو البركات بن السقطي

وقال مات في طاعون سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة

515 علي بن محمد بن علي القاضي أبو الحسن الطبري الآملي

من آمل طبرستان

قال ابن السمعاني كان إماما فاضلا وحدث

وسمع ببلده عبد الله بن جعفر الجناري الحافظ وببغداد أبا الغنائم بن المأمون وأبا جعفر بن المسلمة وابن النقور

روى عنه ابن أخيه أبو جعفر محمد بن الحسين بن أميركا القاضي بطبرستان وقد اشترك أبو الحسن هذا وألكيا الإمام في الاسم والكنية واسم الأب والجد والطبرستية وهو أسن من إلكيا فإنه سمع إملاء الحافظ الجنازي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة ومولد إلكيا سنة خمسين

516 علي بن محمد بن محمد بن عبد الله أبو القاسم البيضاوي ابن أبي الحسن بن أبي عبد الله سبط القاضي أبي الطيب الطبري

مات شابا في شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة قبل والده

517 علي بن محمد الجويني أبوالحسن الفقيه

قال عبد الغافر ظريف فاضل من أركان أصحاب الشافعي توفي في نيف وستين وأربعمائة

518 علي بن محمد أبو الحسن الطلحي الكوفي

نزيل نيسابور

فقيه أديب شاعر

قال الحاكم

519 علي بن محمد وقيل علي بن أحمد

ثم قيل اسم جده حسين بن يوسف بن عبد العزيز وقيل الحسن

هو أديب زمانه أبو الفتح البستي قال الحاكم هو واحد عصره حدثني أنه سمع الكثير من أبي حاتم بن حبان

روى عنه الحاكم وأبو عثمان الصابوني والحسين بن علي البردعي

قال الحاكم ورد نيسابور غير مرة فأفاد حتى أقر له الجماعة بالفضل

قلت هو من بست بضم الباء الموحدة وإسكان السين وآخرها التاء المثناة من فوق

كان أديبا مطلقا نظما ونثرا وله في الشافعي رضي الله تعالى عنه وفي مختصر المزني مدائح كثيرة

قال ابن الصلاح وهو على ذلك من الشعراء الذين هم في كل واد يهيمون ولكل برق يشيمون فلذلك جاء عنه في تحليل النبيذ أبيات ولتزكية الكرامية أبيات ولكن عندما علت بخراسان كلمتهم وشاكت أهل السنة شوكتهم

مات في سنة إحدى وأربعمائة ببخارى

ومن نثره من أصلح فاسده أرغم حاسده

عادات السادات سادات العادات

لم يكن لنا طمع في درك درك فأعفينا من شرك شرك

يا جهل من كان على السلطان مدلا وللإخوان مذلا

إذا صح ما قاتك فلا تيأس على ما فاتك

المعاشرة ترك المعاشرة

من سعادة جدك وقوفك عند حدك

ومن شعره أخبرنا أبو العباس أحمد بن علي بن الحسن بن داود الكردي قراءة عليه وأنا أسمع عن محمد بن عبد الهادي عن الحافظ أبي طاهر بن سلفة أخبرنا الإمام أبو المحاسن الروياني أخبرنا الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني بنيسابور أنشدنا أبو الفتح البستي لنفسه قال

كل الذنور فإن الله يغفرها ** إن شيع المرء إخلاص وإيمان

وكل كسر فإن الله يجبره ** وما لكسر قناة الدين جبران

قلت وهذان البيتان من كلمة طيبة لأبي الفتح تسمى عنوان الحكم مطلعها

زيادة المرء في دنياه نقصان ** وربحه غير محض الخير خسران

وكل وجدان حظ لا ثبات له ** فإن معناه في التحقيق فقدان

يا عامرا لخراب الدار مجتهدا ** بالله هل لخراب العمر عمران

ويا حريصا على الأموال يجمعها ** أقصر فإن سرور المال أحزان

دع الفؤاد عن الدنيا وزخرفها ** فصفوها كدر والوصل هجران

وأرع سمعك أمثالا أفصلها ** كما يفصل ياقوت ومرجان

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ** فطالما استعبد الإنسان إحسان

وإن أساء مسيء فليكن لك في ** عروض زلته صفح وغفران

واشدد يديك بحبل الله معتثما ** فإن الركن إن خانتك أركان

من استعان بغير الله في طلب ** فإن ناصره عجز وخذلان

من جاد بالمال مال الناس قاطبة ** إليه والمال للإنسان فتان

من سالم الناس يسلم من غوائلهم ** وعاش وهو قرير العين جذلان

والناس أعوان من واتته دولته ** وهم عليه إذا خانته أعوان

يا ظالما فرحا بالسعد ساعده ** إن كنت في سنة فالدهر يقظان

لا تحسبن سرورا دائما أبدا ** من سره في سنة فالدهر يقظان

لا تغترر بشباب رائق خضل ** فكم تقدم قبل الشيب شبان

ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم ** يكن لمثلك في اللذات إمعان

هب الشبية تبدي عذر صاحبها ** ما عذر أشيب يستهويه شيطان

وله أيضا

إذا برى قلما يوما ليعمله ** تقول هز غداة الروع عامله

وإن أقر على رق أنامله ** أقر بالرق كتاب الأنام له

8‏.‏ وله أيضا

إذا قنعت بميسور من القوت ** بقيت في الناس حرا غير ممقوت

يا قوت يومي إذا ما در خلفك لي ** فلست آسى على در وياقوت